لفكرة ضج لها الخاطر ، ولإحساس ضاق به الفؤاد ، كانت هذه المساحة




طعم البيوت - 1

كتبهاليل ، في 28 حزيران 2009 الساعة: 16:22 م

 الماضي والحاضر والمستقبل ، حجر الأساس ، الهوية والهوى والانتماء ، الملاذ حين الحاجة والمعلم الأول والأخير ، كل هذا وأكثر لا يصف أبداً أبداً الأثر العميق لبعض البيوت التي سكناها وتسكننا عبر مشوار حياتنا ، أحس دوماً بأن المنزل يحمل قدسية الوطن ، له ذات الأهمية والاحتياج والتقدير ، ربما جاء هذا الإحساس وليد بيوت لها بصمة قوية على حياتي منذ الطفولة وحتى الآن ، وربما بسبب ذكريات كثيرة لي في الترحال من بلد إلى بلد ومن بيت إلى بيت ، تجربة تنقل مستمرة ودائمة إذا لم أكن أمتلك فيها بيتاً يعني لي الأمان والثبات كانت ستنطبع بداخلي كمأساة خصوصاً لأن الذاكرة لا تومض إلا بذكريا ت طفلة مضطرة لتغيير مدرستها وصديقاتها وجيرانها ومعالم البيوت والشوارع كل عام على أفضل تقدير !! وربما جاء هذا الولع بهذه البيوت لأنها كانت " عربية " خالصة ، شرقية تشربت منها هويتي المبكرة ، توجهي ، وطن عربي صغير بكل مميزاته وعيوبه ، تجربة غنية جداً جعلتني قريبة من وسط يجتمع عليه العالم مرة بالاتهام ومرة بالتقصير ومرة لنهبه ومرة لتحميله أخطاءه وأخطاءهم !!

أردت استعادة ذكرياتي هنا معكم عن تجربة بيتوتية خاصة ولكنها على خصوصياتها تختصر معالم شرقيتنا ، نحن بإيجابياتنا وسلبياتنا ، لأننا حين نعلم من نحن لن نتيح الفرصة لليبرالي مخدوع أو مسشترق أبعد ما يكون عن الشرق ، أو عربي مشوه ينتمي لنا بالاسم وبخانة الجنسية والعرق في البطاقة لا أكثر لكن هواه أجنبي خالص ، يصلح للنقد ولإبراز عيوبنا وتحليلها وتعظيمها ولكنه حين تنظر إليه تراه مبتوراً ، هكذا دون أصل أو انتماء أو توجه ، أو محلل سياسي  - والسياسة في أبسط تفسيراتها - هي تحريف للحقيقة والواقع لصالح طرف على طرف آخر ، حين نعلم من نكون ، كيف كنا وإلى أين نمضي ، قد نخرس أي لسان تحدث بالسوء ونقطع أي يد امتدت لتطعننا وتجرحنا وتقتلنا ، ونحن والله لا نستحق .

( الإمارات )

لعل فترة الإقامة في دولة الإمارات ترتبط بالحقائب المعدة للرحيل دوما ً ، فأنا إن جئت أتذكر كم البيوت والوجوه والأماكن التي تنقلت بينها ربما لن تسعفني الذاكرة ، ولكن بيتاً واحداً من ضمن هذه البيوت كلها يبقى رهين البال ، ورهين القلب كذلك لارتباطه الوثيق بالطفولة الأولى بكل ما تحتمل من شقاوة ومرح ورغبة دائمة في اللعب واللعب واللعب فقط ، ولأنه يحمل كذلك فترة الثمانينات الهادئة نسبياً في حياتي ،

في منتصف المسافة بين مدينتي العين ودبي ، تقع قرية الفقع كثورة عمران هكذا فجأة وسط تلال الرمال شديدة السخونة شديدة الاصفرار والنعومة ، وهي وإن كانت كباقي مدن الإمارات منطقة سكنية وسط صحراء قاحلة إلا أنها تتخذ نمطاً أكثر بساطة ، بيوت من دور واحد ، مدرستين للبنين والبنات ( هذا في مرحلة متقدمة ) ، عيادة وعدة أسواق ومزارع ، وتأتي هذه المنازل على جانبي الشارع الرئيسي الذي يصل ( دبي دار الحي ) ب ( العين دار الزين ) في مربعين سكنيين ، وهناك نشأت ، في البيت الأول على اليمين من جانب الطريق الأيمن المؤدي لدبي كما اتفقنا ، وهذا البيت هو الذي اتسع ليحتمل مرحلة الطفولة بكل صخبها ل 9 سنوات بدأت من بعدها التنقلات المستمرة ،

جيراننا في القرية كانوا معظمهم من الوافدين من عدة بلاد عربية أبرزها فلسطين ومصر وسوريا ، أنا أتحدث عن هذين المربعين بالذات ، لأنه كانت تتواجد عدة بيوت عشوائية متفرقة للمواطنين تحيط بنا في تناغم جميل ، وهاديء ، حياتنا كانت بسيطة فنحن نعرف البيوت إما بأسماء الأطفال : بيت سوسن وديما ، بيت رنيم ومعن ، بيت غادة وغدير ، بيت هاني وشادي ، أو نعرفها بوظيفة الأب : بيت المدير ، بيت الممرض ، وهكذا ، وكنا جميعاً نرى بعضنا بتكرار مضحك طوال اليوم ، فمدرستك هي جارتك التي تقوم أنت بضرب ابنها طوال النهار في الشارع ، والدكتور هو العريس المصري الجديد الذي كانت زوجته تستضيفنا جميعاً كأطفال لتعطينا الحلوى وثمار النبق الكبيرة اللذيذة بعد دوام المدرسة !! ومدير المدرسة هو جارك والد الأولاد الأربعة " الأسوأ " المقابلين لك تماماً والذين تكيل لهم النظرات والدعوات من آن لآخر كلما استطعت !

في هذه الفترة أذكر نفسي كطفلة شديدة الشقاوة متمردة ، أتذكرني بشعر غجري ينسدل ليلاً على كتفي هكذا دون قيد ، ولعل هذه الصفة امتدت معي حتى اليوم ، طفلة يعمل والدها مدرساً للعلوم والرياضيات للمرحلة الثانوية في المدرسة - ثم وكيلاً لها - وبالتالي كنت ضيفة دائمة على المدرسة " قبل سن الدراسة " ، كنت ضيفة بالتحديد على صف الحضانة الوحيد بالمدرسة لمدة عدة دقائق لا أكثر لأني كنت أسحب كرسيي الخاص هكذا دون استئدان وأذهب لبابا في الصف الثانوي الذي يدرس فيه وأدخل بهدوء دون إذن لأضع الكرسي في آخر الصف وأتابع الشرح في اهتمام شديد !! ولعل أبي والطلاب قد تعودوا علي لأني أتذكر جيداً أني بعد فترة لم أعد أتنقل بعبء الكرسي الذي يفوقني قامة ، لأن أحد الطلاب قام مشكوراً بوضع كرسيين في آخر الفصل للزائرات القهريات " أنا وشقيقتي التوأم " … أيوة عندي نسخة على ألعن !!

بمرور الوقت وبالانتظام في الدراسة ، الحياة روتينية تحمل الكثير من الهدوء الذي اندثر من بعدها على كل من أقام هناك ، فنحن في المدرسة صباحاً ثم في الشارع مساءً الأطفال منهمكين في اللعب ، الآباء على إحدى البسطات المقابلة لبيت من البيوت ، الأمهات في إحدى البيوت مجتمعات إما للسهر وإما للطبخ وإما لتعلم حرفة جديدة كالتطريز والخياطة وهكذا ،

أحد أمتع الأوقات كانت حينما يسابقنا أبي في سباق للجري يمتد بين بيتنا وشارع يطول لا أذكر لأين ، ولكن أتذكر أنه بعد بعض الوقت قام أحدهم ببناء قصر هناك ربما لأحد  الشيوخ ، لا أعلم على وجه التحديد ، وأيضاً كانت الكثبان الرملية لنا مرتعاً وملعباً ، فنحن إما ننقلب عليها أو نرهق ذراتها نثراً وجمعاً من بعد صلاة العصر حتى المغرب ، هذه كانت نزهة خاصة لنا " أنا وشقيقتي وبابا ماما " ، الصحراء على قدر امتدادها أهدتني هذا الاتساع بداخلي ، لا أدري ولكن الحياة البسيطة تهديك فطرة من نوع خاص ، تعطيك تمسكاً بشدة كذلك لكن ما يعنيك وتمتلكه ، يعطيك النقاء ،

أكثر ما يميز هذه المرحلة الانطباعين الديني والاجتماعي الذين انغرسا بداخلي من تأثير البيت والمدرسة ، فكلنا عرب ومسلمون لا فرق بين عربي وعربي ، مواطن من أهل البلد ووافد عليها ، العلاقات سهلة بسيطة ،الشعائر تمارس بسهولة ويسر دون أدنى تضارب بين موروثات تختلف من قطر عربي لآخر ، وهذا طبعاً اندثر الآن ، والحدود التي كانت يوماً ما بين أوطاننا العربية وهمية على الخريطة أصبحت نفسية قوية بداخلنا ، وكأننا نحتاج المزيد من العقد بيننا ،

الصوم ، الصلاة ، الأخلاق ، كلها تشربتها بعمق من المدرسة ولا أنكر ، لذلك كثيراً ما كنت أردد أن الفضل كل الفضل لمدرساتي في تلك المرحلة على جعلي متمسكة فخورة بعقيدتي ، فمثلاً ما زلت أذكر الآنسة حنان دباغ مدرسة الإنجليزي للمرحلة الثانوية التي كانت تأتي محملة بكيس الحلويات أيام رمضان وتمر علينا كل رمضان ابتداء من الحضانة وحتى مراحل الإبتدائي وتسأل سؤالها الذي ما زال يرن في أذني : مين صايم اليوم ؟ ولكل صائم قطعتي حلوى ، وللفاطر قطعة واحدة على أمل أن يحاول الصيام بالغد ، فكنت وأنا طفلة في الرابعة أصوم رمضان لأجل هذه الآنسة التي تأتينا محملة بالحب والسكر ، ارتبط الصوم بداخلي بالحلوى حتى اليوم ، لم أحس يوماً بأي عبء ، فأي عبء ينتظر طفلة تعشق السكاكر ؟

الصلاة كنا نؤديها جماعية ، نذهب في طابور لنتوضأ ثم نصلي ، أصبحت بديهية أن نحب أوقات الصلاة للتجمع ولتضييع الوقت خارج الدروس والحصص في دقائق انحفرت بداخلنا للأبد ، على مر السنوات ، انقلبت الصلاة من عادة مدرسية إلى عبادة بداخلنا مغروسة بعمق في الروح ، ما اسهل تربية الطفل حقاً في بيئة كهذه تجد فيها كل من يسبقك سناً يهديك ويعلمك ويقومك !

كل تجمعاتنا كانت في محيط المدرسة ، مسابقات رياضية بين الطلبة والمدرسين في كرة القدم والطائرة والسلة ، تجمعات الأمهات والمدرسات والطالبات بفساتينهن الموشاة البراقة في حفلات مدرسية غنائية ، ثم حفل ختامي لتوزيع الجوائز على كل الحاضرين من الطلاب والطالبات ، يميز هذا التجمع ميزة رائعة ألا وهي حرية الاختيار ، أتذكر دوماً طاولة ملأى بالهدايا يتقدم منها الطالب ليختار ما يشاء ، تكريماً له مرة على تفوقه ومرة على مشاركته " مجرد المشاركة " في التجمع والاحتفال ، طبعاً لا يفوتني هنا أن أذكر أني اقتربت من طاولة الهدايا وأنا طفلة في الرابعة لأختار هديتي بكل ثقة (( دبابة )) !! وكنت الطفلة الوحيدة التي تلهو بدبابة خضراء وسط بنات يحملن العرائس !

أعود لبيتي الجميل وشجرة النبق التي نصبت لنا أمي عليها أرجوحة كأفلام الكارتون تماماً ، وكانت هذه تسلية كل صغار الحي كل يوم بعد أن ننتهي من الركض وضرب بعضنا البعض ، في هذا البيت لا اذكر اي اهتمام بالتلفزيون وقتها ، فماما إما تقص علينا القصص والحكايا ، وأبي إما ينزهنا أو يحدثنا على الرغم من حداثة السن والفكر ، وإما نحن نمارس شقاواتنا المعهودة في الشارع أو في المدرسة ، لا مكان لشاشة تأسرنا أمامها ، أو لألعاب إلكترونية تسرق طفولتنا التي تحتاج حقاً للانطلاق ، ل " الحرية " .

بقي أن أذكر أني في عمر الثامنة ، وبذات الشعر الثائر كانت أولى محاولاتي للكتابة بعنوان " وطني " ، لا زلت أذكر تماماً رغبة عارمة في كتابة شيء ما ، ما الذي دفعني لذلك ؟ لماذا الوطن ؟ لن أعلم ابداً .

** همسة :

أدركت أن البيت هي المساحة الشاسعة بين كل ما يحيط بك ويعنيك ويؤثر فيك ، البيت كلمة تحتمل الكثير من المعاني في الحقيقة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “طعم البيوت - 1”

  1. الفقع …الهيلي…المسعودي …منازف…ثم اخرا واخيرا القطارة في العين الحبيبة هي بيوت ومناطق حفرت في الذاكرة والقلب ومع ضيق هذه البيوت وبساطتها الا انها تستحق ان نطلق عليها بيتا عشناه لانه بعد هذه البيوت وطعمها الحلو والمالح لم نجدعالما يحتوينا او مكانا يصلح ان نسميه ولو مجازا بيتنا!!!على الرغم من اتساع المساحة وبهرجة الحيطان وتكلف الحياة وماديتها وكثرة الادوات والكهربائيات او ما يسمى بالتكنولوجيا…. كلماتك زادت الوجع وعمقت الالم وجعلت دمعتين تتسللان خفية من عيناي المرهقتين لتحرق خدي الذي ما زال يأن من وطاة دموع سابقة لم تجف على ما راح وعلى ما لم يأت…ما يعزيني حقا هو طعم كل بيوتي السابقة ومذاقها المسكر المحبب داخلي كلما تذكرتها ورغبة صادقة في ان يختفي كل ما في منزلي المبهرج الواسع الفخم الان عله باختفائه هو نفسه بحجارته وسكانه يختفي طعم المرار ولا يبقى سوى طقم السكر…..
    ملاحظة:طول عمري بعرفك انتي القوية المفترية اللي بتضربي الولاد بقيت انا النسمة السكرة الهادية ذات الصوت الشجي والعينين الناعستين ألعن؟؟؟؟؟؟ ا شيخة بطلي كدب زهقتينا بقى ما كلنا عارفينك

  2. القضيه بمجملها تتعلق بالانتماء، بهوية الانسان، ربما بحقيقته. والارتباط بالاماكن هو جزء من تكوين الانسان، والاماكن الاولى لها التأثير القوي خاصة على ذاكرة لازالت تتشكل، كل شيء نعيده دائماً للطفوله لأنها الذاكرة العصية على النسيان. ولا عجب أن ننتمي لخيمة، لبيت من الصفيح بعيداً عن كل زخارفالبيوت التي كثيراً ما تخلو من الروح لتصبح وكأنها فنادق نعبرها في رحلة لمكان ما.
    حديثك عن المكان أعادني الى اماكن كثيرة مررت بها لكن لازلت أرى نفسي في ابسطها واكثرها تواضعا لكنها الأكثر دفئاً، لازلت أحملها.

    للاماكن رائحه تدوم طويلاً كالحياة كثيراً ما تصنع ذاكرتنا.

    تحياتي

  3. وماذا بعد
    حاتم

  4. سنرجع دوماً

    سأكمل عما قريب

    شكراً



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول